السيد محمد تقي المدرسي

162

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

والسبب أنّ الله سبحانه قد هدى البشر إلى الحقائق عبر آيات شتّى . وكلّما أورث ثقةً تامةً عندك بمعنى كلمة فهي علامة . وهكذا فليست العلامات بمحصورة ولا هي سواء عند الناس ، والعلامات التي سنوردها تالياً لعلّها الأكثر شيوعاً : 1 - إذا كنتَ غريباً في بلدٍ لا تعرف لغة أهله ، كيف يمكنك أن تعرف معاني كلماتهم ؟ لعلّك تتأمل في طرق التفاهم فيما بينهم فتجد أنهم يستخدمون ذات المفردة أو ذات الصيغة الكلامية عند إرادتهم التعبير عن معنى ، فكلما أراد أحدهم الماء أو الخبز أو شراء شيء أو السؤال عن طريق أو ماأشبه تلفّظ بكلمات معيّنة ، وبتكرار إستخدامهم لتلك الكلمات في المواطن المختلفة يتبيّن لك يقيناً مرادهم منها . وهذا هو أشهر سبل معرفة اللغة ، لماذا ؟ لأنّ الأطفال الذين يعايشون ذويهم يتعلّمون لغاتهم بهذه الطريقة ، فكلما أشاروا لهم إلى أشياء أو أفعال واستخدموا الكلمات استوعبوا معانيها وتترسخ عندهم تلك المعاني بتكرار استخدامها . 2 - والناس يتبادلون الخبرة اللغوية بينهم بهذا الأسلوب ولكن ربما يستخدمون منهج التصريح لبعضهم بمعاني الكلمات ، فالصغير يسأل الكبير ، والغريب يسأل الأهالي ، والجاهل يسأل العالم عن معاني الألفاظ ، فَيُنبّأ بها إما باستخدام جملة من المترادفات في ذات اللغة ، أو بترجمتها بلغة أخرى ، أو بالإشارة إلى معانيها الخارجيّة بصورة مباشرة . والخبير باللغة يقوم عندئذ بملاحقة هذه المعلومات ثم يسجّلها ، وبعد التأكد من معاني الألفاظ يسطِّرها في كتب اللغة ، وهي حجة عند الكثيرين ليس لأنّ كل لغوي ثقة ، ولا لأنّ خبر الواحد يورث الثقة ، وإنما لأنَّ الخبير إذا كان وافر المعرفة باللغة ولم يكن لديه أيّ داعٍ للكذب فإنّه يُورث ثقة كافية بمعاني الألفاظ عند العقلاء . بلى إذا لم يتوفر لدينا هذان الشرطان فالثقة لا تحصل بكلامه ، وهكذا فالموارد مختلفة ولا يمكن الاعتماد الكلي على كلام اللغوي . 3 - وبالرغم من التعرف على معاني الكلمات بهذين المنهجين إلّا أنه سيبقى هامش من الجهل في حدود معاني الكلمات بعد الثقة بها بوجه عام ، مثلًا : قد نعرف معنى كلمة ولكن ليس بتلك الدقة حتى نتعرَّف على جميع مصاديق المعنى حيث نشك في بعضها . وهنا فنحن بحاجة إلى التأمّل في ذخيرتنا المعرفيّة بالنسبة إلى اللغة ، ونستنطق